تُعدّ البيتكوين واحدة من أشهر العملات المشفّرة في عالم الأصول الرقمية، وقد تم ابتكارها وطرحها لأول مرة في عام 2008. سنستعرض في هذا المقال أساسيات البيتكوين، بما في ذلك تعريفها، وآلية عملها، والتقنية الأساسية التي تقوم عليها هذه العملة الرقمية الرائدة. كما سنناقش أيضًا كيفية استخدامها وطرق الاستثمار المختلفة في البيتكوين.
ما هي عملة البيتكوين؟
البيتكوين هي شكل من أشكال النقود الرقمية، حيث صُممت كعملة مشفّرة لتكون بمثابة عملة افتراضية تعمل كوسيلة للدفع والتبادل، ولكن دون أن تخضع لأي سلطة مركزية، وذلك على عكس العملات الورقية التقليدية التي تُدار من قِبل البنوك المركزية وتخضع لتوجهات السياسة النقدية. لا تحتاج البيتكوين إلى تدخّل طرف ثالث كجهة ضامنة لإجراء المعاملات المالية. فبدلًا من ذلك، تُسجَّل جميع المعاملات في إطار نظام تقني يُعرف باسم “البلوكتشين”، وهو بمثابة دفتر حسابات رقمي عام يَهدف إلى توثيق جميع عمليات الشبكة ومنع التلاعب بها.
طُرحت البيتكوين للمرة الأولى في عام 2008 من قِبل شخصية مجهولة أو مجموعة من المطوّرين تعمل تحت الاسم المستعار “ساتوشي ناكاموتو”. ومنذ ذلك الحين، أصبحت البيتكوين العملة المشفّرة الأشهر عالميًا، كما ألهمت آلاف المطوّرين لإطلاق عملات رقمية بديلة. والآن، دعنا ننتقل إلى استعراض تاريخ البيتكوين وكيف ارتفع سعرها على مرّ الزمن.
تاريخ البيتكوين
قُدِمت البيتكوين للجمهور في عام 2008 من قِبل شخصية غامضة تُدعى “ساتوشي ناكاموتو”، ووصفت آنذاك بأنها نظام نقدي إلكتروني يعتمد على مفهوم “الند للند” (Peer-to-Peer). تم اطلاق العملة الإلكترونية بيتكوين فعليًا في عام 2009، وأصبح برنامجها الخاص متاحًا للجمهور بعد أول عملية تعدين، وهي الآلية التي يتم من خلالها توليد وحدات جديدة من البيتكوين. تُسجَّل هذه المعاملات بهدف إنشاء عملات بيتكوين جديدة، ويجري التحقق منها عبر نظام البلوكتشين.
شهد العام 2010 أول محاولة فعلية لتقييم البيتكوين بشكل عملي، وذلك عندما قرّر أحد الأشخاص بيع وحدات منها مقابل سلع مادية — حيث قام بمقايضة 10,000 بيتكوين مقابل قطعتين من فطائر البيتزا. لم يكن للبيتكوين في ذلك الوقت أي قيمة نقدية محددة، وكان يُعتقد أنه من المستحيل تسعيرها. الطريف أن هذا الشخص لو احتفظ بتلك البيتكوين حتى اليوم، لكانت قيمتها قد تجاوزت 100 مليون دولار بالأسعار الحالية. ومع تزايد شهرتها وتبني فكرة العملات اللامركزية على نطاق واسع، بدأ ظهور عملات رقمية بديلة تُعرف باسم “Altcoins” في عام 2011، والتي سعت إلى التفوق على البيتكوين من حيث السرعة والخصوصية وغيرها من المزايا. لدينا اليوم أكثر من 10,000 عملة مشفّرة مختلفة، وتشير بعض المصادر إلى أن العدد قد يتجاوز 20,000 عند احتساب جميع الرموز الرقمية (Tokens).
شهدت بتكوين منذ عام 2011 وحتى اليوم تقلّبات سعرية حادّة وطفرات نمو استثنائية. تجاوزت العملة الإلكترونية الرائدة مستوى 1,000 دولار لأول مرة في أواخر عام 2013، ثم بلغت ذروتها السابقة عند 20,000 دولار في عام 2017، مدفوعة بعوامل اقتصادية جوهرية واهتمام متزايد من قبل المؤسسات. وفي الفترة بين 2020 و2021، سجل سعر البيتكوين قمة تاريخية جديدة عند 69,000 دولار.
بدأت العملة الإلكترونية موجة تعافٍ قوية في عام 2023، ثم شهدت الأسواق في أوائل 2024 الموافقة التاريخية على صناديق المؤشرات المتداولة للبيتكوين الفورية في الولايات المتحدة. وقد عزّز هذا القرار ثقة المستثمرين، ودفع البيتكوين إلى قمة جديدة تجاوزت 73,000 دولار، متخطّية بذلك الرقم القياسي السابق المُسجّل في ديسمبر 2017. وفي يونيو 2025، وصلت إلى مستوى يتجاوز 110,000 دولار. بعد أن استعرضنا تاريخ البيتكوين، دعونا ننتقل إلى التعرف على نظام البلوكتشين ودوره الأساسي.
ما هو بلوكتشين البيتكوين؟
تم ابتكار نظام البلوكتشين ليكون بمثابة دفتر حسابات رقمي عام يُسجّل جميع المعاملات التي تتم عبر شبكة البيتكوين. يتم تنظيم هذه السجلات ضمن كُتل (blocks) مرتبطة ببعضها في سلسلة واحدة. ولهذا يُطلق عليه “سلسلة الكتل” أو البلوكتشين.
تحتوي كل كتلة في البلوكتشين على قائمة بالمعاملات؛ إذ تتضمن كل كتلة معاملة واحدة فقط. تُسجَّل المعاملات بشكل دائم لضمان تأمين المعلومات بالكامل وتتبع تحرّكات البيتكوين. يرتبط كل بلوك بالذي قبله لضمان سلامة سجل المعاملات وعدم التلاعب به.
ما هو تعدين البيتكوين؟
تُعدّ عملية التعدين خطوة أساسية داخل شبكة البيتكوين، إذ يتم من خلالها إدخال وحدات جديدة إلى منظومة التداول، بالتوازي مع ضمان أمان جميع المعاملات. لتوضيح الصورة: تخيّل أننا في منافسة، حيث يقوم أشخاص باستخدام الحواسيب لحلّ مسائل رياضية معقّدة. أول من يتمكن من حلّ المسألة يكون هو الأحق بإضافة مجموعة جديدة من معاملات البيتكوين (كتلة) إلى السجل الرئيسي (البلوكتشين).
يُضاف بلوك جديد تقريبًا كل 10 دقائق، وذلك حسب عدد المشاركين في حلّ هذه الألغاز. حلّ اللغز يُسمى “تعدين”، أما من يقومون بحلّه فهم “مُعدّنون”. وهذا هو التفسير المبسّط لعملية التعدين. ربما تتمكن الآن من فهم آلية عمل البيتكوين، وكيف تنتقل من محفظة إلى أخرى كما سنشرحها في السطور القادمة.
كيف تعمل البيتكوين؟
هناك عدّة خطوات لنقل البيتكوين من محفظة إلى أخرى كما يلي:
- الإنشاء: يجب على المُرسِل تحديد كمية البيتكوين وعنوان المُستلِم.
- التوقيع: يستخدم المُرسِل المفتاح الخاص للتوقيع الرقمي على المعاملة، والذي يُثبت ملكيّته لوحدات البيتكوين المُرسَلة.
- البث: تُبث المعاملة الموقعة إلى شبكة البيتكوين، بانتظار التحقّق من قِبل المُعدّنين.
- التحقق: يتولى المُعدّنون مسؤولية التحقق من صحة المعاملات، وضمان امتلاك المُرسِل للكمية الكافية من البيتكوين.
- التعدين: بمجرد التحقق من المعاملة، يبدأ المُعدّنون بمحاولة حلّ لغز تشفيري لإضافة المعاملة إلى كتلة جديدة ضمن شبكة البلوكتشين.
- التأكيد: بمجرد إضافة المعاملة إلى الكتلة الجديدة، تُعتبر المعاملة مؤكدة. ويحدث تأكيد إضافي مع كل بلوك جديد يُضاف إلى الشبكة.
الآن قد تتساءل: هل امتلاك البيتكوين له مزايا؟ وعلى الجهة المقابلة، ما هي عيوب امتلاكها؟ دعينا نجيب عن هذا التساؤل من خلال سرد أبرز الإيجابيات والسلبيات.
مزايا وعيوب البيتكوين:
| المزايا | العيوب |
| اللامركزية: تقلل الشبكة القائمة على مبدأ “الند للند” من مخاطر تسلط الرقابة، والاحتيال، وتدخّل الحكومات أو المؤسسات المالية. | التقلّب العالي: يتسم سعر البيتكوين بأنه شديد التقلّب وغير قابل للتنبؤ، مما يجعل الاستثمار فيها محفوفًا بالمخاطر. |
| درجة عالية من الخصوصية والأمان: تُؤمَّن المعاملات باستخدام تقنيات التشفير المتقدمة، مما يحافظ على سرية أسماء المرسِل والمستلم. | الغموض التنظيمي: لا تزال القوانين المنظمة للبيتكوين في طور التشكل، مما يؤثر على شرعية استخدامها وقيمتها. |
| التحويلات العالمية: تتميز التحويلات الدولية عبر البيتكوين بأنها أسرع وأقل تكلفة من أنظمة الصرف التقليدية، والتي غالبًا ما تفرض رسومًا مرتفعة وتستغرق وقتًا طويلًا. | التأثير البيئي: يتطلب تعدين البيتكوين استهلاك كمية كبيرة من الكهرباء والطاقة. |
| العرض المحدود: الحد الأقصى المعروض من البيتكوين هو 21 مليون وحدة، وهي خاصية توفر عامل الندرة وربما تُعزز من قيمتها بمرور الوقت. | |
| سهولة الوصول: يسهل الوصول إلى البيتكوين في جميع أنحاء العالم، دون الحاجة إلى البنوك التقليدية. |
بعد مناقشة أساسيات البيتكوين بإيجاز، دعنا نُجري مقارنة سريعة بين العملات الورقية والعملات الرقمية مثل البيتكوين، ونستكشف كيف يمكن الاستثمار فيها.
الاختلافات الرئيسية بين العملة الورقية والعملة المشفّرة (البيتكوين):
| العملة المشفّرة (البيتكوين): | العملة الرقمية | |
| الرقابة | شبكات حاسوبية لامركزية مفتوحة المصدر. | تُصدرها الحكومة وتخضع لرقابة مركزية. |
| العرض | عرض محدود مع ندرة واضحة. | قد يتأثر العرض غير المحدود بالتضخم |
| أساس القيمة | تستند قيمتها إلى مبدأ العرض والطلب | تعتمد على السياسات الحكومية والنقدية، والوضع الاقتصادي، وأسعار الفائدة. |
| الأمان | تؤمَّن من خلال شبكة ضخمة من أجهزة الكمبيوتر وأنظمة التشفير | مؤمَّنة من قِبل جهة خارجية، مثل البنوك والحكومات. |
| العملة المادية | لا توجد عملة مادية، رقمية فقط | نعم، فهي بالأساس عملة مادية يمكن استخدامها رقميًا من خلال الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، والمدفوعات، والتحويلات. |
| التذبذب | تذبذب مرتفع | أكثر استقرارًا مقارنةً بالعملات المشفرة |
لتوضيح هذه الاختلافات، تُعتبر العملات المشفرة نقودًا رقمية تُدار من القاعدة إلى القمة، ويسيطر عليها مجتمع العملة، وذلك على عكس العملات الورقية، التي تُدار من القمة إلى القاعدة، وتُسيطر عليها الحكومة.
كيفية تستثمر في البيتكوين:
يعني الاستثمار في العملات المشفّرة أنك ترغب في شرائها بهدف تحقيق عائد مستقبلي. أنت تشتري البيتكوين بسعرها الحالي وتنتظر ارتفاع قيمتها لاحقًا. لكن نظرًا لأن سعر البيتكوين مرتفع جدًا في الوقت الحالي، ينصح الخبراء بالاستثمار فيها بطريقة مختلفة لا تتطلب رأس مال كبير للبدء.
أصبح الاستثمار في البيتكوين أسهل من أي وقت مضى، إذ يمكنك الآن الاستثمار فيها دون امتلاك الأصل الرقمي نفسه. يتم ذلك من خلال تداول عقود الفروقات على البيتكوين، والتي تتيح للمتداول فتح صفقات شراء وبيع على البيتكوين وتحقيق أرباح من تحرّكات السعر. يُعدّ هذا النهج الاستثماري أسهل للمستثمرين الذين يفضلون التداول بدلًا من امتلاك أصل متقلب، مثل البيتكوين، لتجنب التوتر والضغط النفسي. وبذلك يمكنكِ دخول السوق أو الخروج منه في أي وقت، دون تعقيدات أو قلق. كما توفر عقود الفروقات على البيتكوين فرصة استخدام الرافعة المالية، والتي تسمح للمتداولين بالبدء برأس مال صغير نسبيًا، حيث يمكن التداول بمبلغ لا يتجاوز 2000 دولار أمريكي فقط.
خاتمة:
يمكن القول إن البيتكوين هي العملة المشفّرة الأكثر شهرة على الإطلاق، ولهذا السبب ألهمت مطوّرين آخرين لإطلاق عملات جديدة. يمكن استخدام البيتكوين كبديل للعملات الورقية، خاصة في المدفوعات الإلكترونية أو أثناء السفر إلى الخارج. من المهم فهم آلية عمل البيتكوين، ومعرفة كيفية عمل البلوكتشين والتعدين. فهذا الفهم سيشكّل نقطة قوة عند اتخاذ قرار الشراء أو تداول البيتكوين أو عقود الفروقات على العملة الرقمية. لكن تجدر الإشارة إلى أن للبيتكوين مزايا وعيوبًا يجب أخذها بعين الاعتبار سواء عند التداول أو الاحتفاظ بها.

